خليل الصفدي
359
أعيان العصر وأعوان النصر
سيره السلطان الناصر محمد إلى صفد نائبا فحضر إليها ، ورأى أهلها منه من العفة والعدل ما لا رأوه من غيره ، ثم نقله إلى نيابة غزة فتوجه إليها . ومات السلطان ، وتولى الملك المنصور أبو بكر وخلع ، وتولى الأشرف كجك ، وجاء الفخري لحصار الكرك ، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن كثيرا ، وتوجه الفخري إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب ؛ ليطرد طشتمر نائب حلب ، فاجتمع به وتوقى عزمه ، وقال له : توجه أنت إلى دمشق واملكها ، وأنا أحفظ لك غزة ، وقام في هذه الواقعة قياما عظيما ، وأمسك الدروب ، فما جاء أحد من دمشق ولا من مصر بريديا كان أو غير ذلك ، إلّا وحمله إلى الكرك ، وحلف الناس للناصر أحمد ، وقام ببيعته باطنا وظاهرا ، ثم جاء إلى الفخري وهو على خان لاجين ، وقوّى عزمه وعضده ، ولم يزل عنده بدمشق ، إلى أن جاء الطنبغا من حلب والتقوا ، وهرب الطنبغا ، فاتبعه الأمير شمس الدين إلى غزة وأقام بها ، ودخلت العساكر الشامية إلى مصر . ولما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب ، وتوجه به إلى الكرك ، أعطى نيابة مصر للأمير شمس الدين أقسنقر ، وبقي نائبا ، وأحمد في الكرك إلى أن تملك الملك الصالح إسماعيل فأقره عليها ، فسار فيها سيرة مشكورة ، وأقام فيها مدة أحاديثها إلى الآن مذكورة ، لا يمنع أحدا شيئا يطالبه كائنا من كان ، ولا يرد سائلا يسأله ولو لم يكن ذلك في الإمكان ، وارتزق الناس في أيامه ، وغرق الضعفاء في بحر أنعامه ، وتقدم من كان مؤخرا ، وجرى رخاء الرخاء بأمره مسخرا ، حتى كان الناس يطلبون منه ما لا لهم به حاجة ، ولا لهم به ضرورة ، وهو يقضي ما قابله جوده أو واجه . ثم إن السلطان الملك الصالح إسماعيل أمسكه ، وأمسك الأمير سيف الدين بيغرا أمير خازندار ، والأمير سيف الدين أولاجا الحاجب - الآتي ذكرهما في موضعيه ، والأمير زين الدين قراجا الحاجب ؛ لأنهم نسبوا إلى الممالأة والمداجاة مع الناصر أحمد ، وذلك في سنة أربع وأربعين وسبعمائة ، وكان ذلك آخر العهد بأمره ، واللّه تعالى يتولى الباطن من سره ، وأخرج فيما بعد عن بيغرا وأولاجا وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة . 298 - اقسنقا « 1 » الأمير شمس الدين الناصري كان في حياة أستاذه أمير شكار ، وزوجه ابنته ، وجعله أمير مائة مقدم ألف ، ولما جاء الناصر أحمد من الكرك ، جعله أمير آخور فلم يرض ،
--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 9 / 311 ، والدرر الكامنة : 1 / 394 ، وخطط المقريزي : 2 / 310 ، والمنهل الصافي : 2 / 496 .